عبد الوهاب الشعراني

614

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

[ النهي عن لعن الراشي والمرتشي والساعي بينهما إلا إن كان مختارا وقبل الرشوة لنفسه : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نلعن الراشي والمرتشي والساعي بينهما إلا إن كان مختارا وقبل الرشوة لنفسه ، فإن أكره على أخذها لغيره فلا ينبغي لنا لعنه ، كما أننا إذا لعناه لا نلعنه إلا بحكم العموم دون الخصوص لجهلنا بعاقبة أمره ، فقد يتوب اللّه عليه قبل موته ، وحقيقة الرشوة ما يأخذه القاضي ليحكم بحق أو يمتنع من ظلم وقوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] . المراد به كفر دون الكفر الذي يخرج به الشخص من دين الإسلام ويحتاج من يريد أن ينكر على قاض للفحص العظيم عن كونه مختارا في أخذ الرشوة لغيره أو لنفسه ، وذلك بكثرة مخالطته فلا تكفي الإشاعة بأخذه الرشوة لكثرة تساهل الناس في هذا الزمان في ذمهم القضاة من غير أن يشاهدوا منهم أخذ الرشوة أو حكمهم بغير الحق ، وربما أشاع الناس عن قاض أنه يأخذ الرشوة قياسا على من رآه أخذها ، ويقولون بعيد عن مثل هذا أن يتورع عن مثل ذلك ، ويا ليت شعري من يفسق هؤلاء القضاة كيف يسوغ له أن يطالب بالحقوق التي ثبتت عليهم فإنها غير ثابتة في اعتقاد هذا المفسق لهم . ففتش يا أخي على من يأخذ الرشوة مختارا ثم العنه بلعنة اللّه ولعنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وصن لسانك عن التجريح في قضاة الشريعة ، إلا بطريق شرعي تقدر على إثباته ، وإلا يخاف عليك الحبس والضرب ، وإخراج وظائفك عنك تعزيرا لك على تجريح الحكام بغير طريق شرعي . وقد وقع من بعض طلبة العلم أنه طلب منه تزكية بعض قضاة العساكر فأبى وقال هذا رجل فاسق فوشى بذلك بعض الأعداء وشهدوا عليه بأنه مصرح بفسق القاضي في المجالس ، فأخرج عنه جميع وظائفه وصار يسوق عليه السياقات فلا يقبل منها أحدا ، فإن اضطررت يا أخي إلى تزكية قاض فزكه ، وورّ في ألفاظ التزكية حسب طاقتك ، كما يفعله علماؤنا الآن واللّه يتولى هداك . وروى أبو داود والترمذي مرفوعا وقال حسن صحيح : « لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الرّاشي والمرتشي . وفي رواية لابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « لعنة اللّه على الرّاشي والمرتشي » . وروى الطبراني والبزار مرفوعا : « الرّاشي والمرتشي في النّار » . وروى الإمام أحمد بإسناد فيه نظر مرفوعا : « ما من قوم يظهر فيهم الزّنا إلّا أخذوا بالسّنين ، وما من قوم يظهر فيهم الرّشا إلّا أخذوا بالرّعب » . وروى الإمام أحمد والبزار والطبراني : « لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الرّاشي والمرتشي والرّائش » . يعني الماشي بينهما : أي بين الراشي والمرتشي . وروى الطبراني مرفوعا عن ابن مسعود بإسناد صحيح : « الرّشوة في الحكم كفر